الصفحـــــــة الرئيـســـــــــة

الخميس، 23 سبتمبر 2010

تكست - العدد السادس: المقاربة الادراكية والادب - كتب د. عادل الثامري


المقاربة الادراكية والادب

*د. عادل الثامري

لقد تطورت مجموعة من المقاربات ضمن الدراسات الأدبية و علم الإدراك تتابع الاهتمامات في اللغة و الأفعال الذهنية و المهارات اللغوية و هذه المقاربات مختلفة بيد أنها جميعا تقارب ظواهر القراءة و الارتباط الخيالي و التشكيل النصي. و حتى وقت قريب جدا جذبت المسافة الفاصلة بينها اهتماما اكبر مما جذبته أكثر مسألة تلاقيها. و مع ذلك واصل عدد من المنظرين الأدبيين و النقاد إنتاج أعمال تتشكل منهجيتها و ابدالاتها عبر حوار مع حقل او اكثر ضمن علوم الادراك مثل الذكاء الاصطناعي و علم النفس الادراكي و لسانيات ما بعد جومسكي و فلسفة الذهن و علم الاعصاب و علم الاحياء التطوري. فقد قام رويفن تسور في كتابه الموسوم (نحو نظرية للشعرية الادراكية) الصادر عام 1992 بتطوير اساسيات الشعرية الادراكية التي عمل عليها منذ الثمانينيات وبرهن ناقد التحليل النفسي نورمان هولاند على فائدة علم الاعصاب في الوصول الى علم نفس اقوى مما كان سائدا منبثقا عن علم الاعصاب الادراكي و ذلك عام 1988 كما عمل مارك تيرنر على مشروع (البلاغة الادراكية) عام 1991 و قدم الين سبولسكي نظرية (اللااستقرارية الادراكية) التي تشتغل على التأويل الادبي وذلك عام 1993. هؤلاء و غيرهم من النقاد ، من ذوي الذهنيات المشابهة، استجابوا للمحددات التي وضعتها مفاهيم مابعد البنيوية للمعنى و التاويل و ذلك من خلال مساءلة النماذج الحاكمة في الساحة، اما لازاحتها او اعادة تشغيلها او اكمالها او اعادة هيكلتها اساسا



.


ان عدم الرضا بما قدمته ما بعد البنيوية من مواقف نسبية و مناهضة لـلانسانية قد دفع بهؤلاء النقاد الى بذل الجهود من اجل صياغة ما يدعى بتداخل الحقول الجديد (interdisciplinarity). لقد جمعت الان المحاولات المتناثرة لصياغة روابط بين الدراسات الادبية و علم الادراك وذلك من خلال جهود منظمة في اطار حقل جديد يعرف بأنه (النقد الادبي الادراكي).


لقد كان علماء الادراك و منذ زمن يقترضون من الدراسات الادبية ،و عادة ما يتبنون، مصطلحات من المجاز و النقد الادبي، و كانت و ما زالت الاستعارة ذات اهمية في البحث و مفهوم مركزي لاستيعاب اشتغالات الذهن ضمن الحقول الادراكية. لقد طورت اللسانيات الادراكية انموذجا لدراسة انتاج الاستعارة و فهمها يتمحور حول قابليات الذهن لصنع المعنى. اما علماء الحاسوب و فلاسفة الذهن قد استعملوا و بصورة واسعة المفاهيم الادبية لتأطير افكارهم مثل مصطلحات (الكتابات و القصص و تيار الوعي و المسودات المتعددة وماكنة جويس ). و قد قام علماء نفس الادراك ببناء مشاريع بحثية حول دراسة موضوعات مثل استجابة القارئ للقص السردي و دور المشيرات في السرد و النقل الشفاهي للاشكال الشعرية



.


قاد العمل انطلاقا من فرضيات ذات صلة كبيرة باللسانيات الادراكية الى البحث عن برهان تجريبي لشعرية الذهن حيث يرى ان المجاز التقليدى كالاستعارة و الكناية و المفارقة تعكس اشتغالات العمليات الادراكية الاساسية . لقد اصبحت قدرة الذهن على التفكير المجازي و التمثيل التخييلي من صلب اهتمام كل من علماء الإدراك و دارسي الادب.


ان انبثاق نظرية ادراكية للادب والنقد لا يتطلب العمل في موضوعات السرد و اللغة المجازية و استجابة القارئ بصورة تزامنية (سينكرونية) فقط بل لابد من اعادة قراءة تاريخ الادب و الثقافة من منظور ادراكي. لقد تقدمت النظريات المعاصرة للادب و الثقافة في ازالة الغموض عن مفاهيم لاصناف ثابتة عبر الزمن مثل الذات و الهوية و الاخلاق وقدمت كيانات منبنية ثقافيا و تاريخيا و برهنت هذه النظريات على ان الطبيعي غالبا ما يستدعي لعب دور مجازي من خلال توفير دعم مفاهيمي لاشكال معينة من الهيمنة وهو بذلك يمنح شرعية واضحة لا لبس فيها للممارسات التمييزية على اساس العرق و النوع الاجتماعي و الطبقة. حتى اصبح توثيق ومساءلة مجاز الظلم مهمة مركزية للدراسات الأدبية و الثقافية .

يعتمد انشاء الثقافة ،من قبل البشر، على مركب من اجسادهم و منظوماتهم العصبية و الحسية و هذه البنى تمتلك تاريخا لا يماثل و لا ينفصل عن الثقافة التي تنشؤها . و تحاول المقاربات المعاصرة ان تتصدى لتحدي اعادة افهمة الاهمية الثقافية للجانب الطبيعي و بجهاز مصطلحي معاصر.و هنا لم يعد ممكنا ان ينظر الى الطبيعي بوصفه معياريا وعابرا للزمن ،ذلك ان اللسانيات وعلم الاناسة و علم الاعصاب تؤشر مفهوما جديدا للطبيعة و هو مفهوم تاريخي ذو علاقة مركبة و متعددة الوجوه بالجانب الثقافي. في هذا الصدد، ظهرت دراسات تبحث و بطرق مختلفة في مقاربة مفهوم الصيرورة التاريخية المتجددة و تحاول هذه الدراسات ارخنة الذاتية الادبية من خلال مراجعات تمتد من مدرك التاريخ و تتضمن تاريخ ارتقائنا :اي الاف السنين التي تطورت خلالها عواطفنا الانسانية المميزة وكذلك تطور الدافع للفعالية الادبية بين الناس. وتنحى مثل هذه الدراسات الى مستوى الانواع و هو مستوى تحليلي كان مهملا قبل ذلك في النظرية الادبية الحديثة بالرغم ان مباحث مجاورة للنظرية الادبية قد افادت منه مثل اللسانيات و الاناسة و علم النفس و فلسفة الذهن.


و من هذ الدراسات الملهمة ما قدم في مجال دراسة الاستعارة و الترميز و اقتراح ما يسمى بالدمج المفاهيمي و هو عملية ذهنية يمكن ان نجد لها تجسيدا في الاستعارة و رغم ان هذا الامر قد بقي مهملا منذ بدأت الدراسات المجازية و لكنه كان حاضرا في تاريخ ارتقائنا. فان كان الذهن الادبي هو الذهن اليومي كما يقول مارك تيرنر فأن اسس التاريخ الادبي تمتد الي الماضي البشري السحيق و ان مصطلح الادبي ينطبق على الصيرورات اللاادراكية الاساسية التي تميز الحياة الادراكية بقدر ما تنطبق على الاشكال الشفاهية و الموروث. و يذهب بول هيرنادي الى ان مدرك التاريخ الادبي يشتمل على ” عصور ما قبل التاريخ” و ينظر في الدور الذي يلعبه السلوك الادبي في تسهيل بقاء الانسان في بيئة اجتماعية معقدة. و يقترح هيرنادي سلسلة وظائف عملية لـ(صنع العالم) التخييلي وهذه الوظائف ساعدت في توسيع الوعي البشري و كذلك تكامل المعتقدات و المشاعر و الرغبات بتفضيل القابليات العقلية الجديدة من خلال عملية من الاختيار الطبيعي تتناغم مع الابتكار الثقافي.

ان المرونة الادراكية ذات اهمية كبيرة و جوهرية لفهم الاهمية التطورية للبنى الذهنية العامة التي تجعل من التغيير الثقافي و الابتكار التاريخي الادبي حتميا. و بخلاف ما يراه تيرنر يرى الين سبولسكي ان النظرية الادبية الادراكية توفر تصحيحا لنظريات مابعد البنيوية للمعنى فهي توفر اساسا تطوريا يجد مصداقه في علم الاعصاب و للادعاءات التفكيكية بخصوص لااستقرارية المعنى.


يتوفر النقد الادبي الادراكي على مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات التأويلية، و من خلال تحديد نماذج العمليات العقلية التي تؤثر على الكتاب الذين يعملون في الحقب التاريخية الماضية، يمكن للنقاد ان يجروا ما يمكن ان يسمى " مفاوضة "بين هذه النماذج التاريخية والابدالات الحديثة لعلم الاعصاب الادراكي. و هنا يمكن لبعض الفرضيات حول العمليات العقلية التي تتراوح بين التكامل المفاهيمي وتحديد الحقول ، ان ترتبط بالطرائق النصية و التاريخية للوصول الى منظورات جديدة، و من خلال وضع الابداع الفني و الفكري في سياق تاريخ البشرية و كذلك ضمن تاريخ فرد او ثقافة معينة فان قراءة معمقة للاعمال الثقافية لا يمكن ان تساعد فقط في تأويل نصوص ادبية محددة بل يمكن ايضا ان تساعد في تقديم فهم اكثر تفصيلا للقوى التي تسمح بالتغير الثقافي او تحدده. أن الثورة الادراكية قد بدأت مؤخرا في الحقول الثقافية و الادبية و بالتاكيد سنتوصل في القابل من السنوات الى انجازات في هذا المجال.


ان مثل هذه المقاربة الادراكية التي تشتغل على الحقول الثقافية والابنية الادبية تمتلك امكانية كبرى في تحقيق انجازات لامعة قد تصبح مجموعة من التصورات التي عادة ماكانت تؤخذ على انها حقائق لايمكن المساس بجوهرها .


*أكاديمي عراقي


العـودة للصفحة الرئيسة - العددالسادس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق