الصفحـــــــة الرئيـســـــــــة

الأربعاء، 22 سبتمبر 2010

تكست - العدد السادس: الشكل المعماري والتعبير عن الوظيفة - د.اسعد الاسدي


الشكل المعماري والتعبير عن الوظيفة

*د. أسعد الأسدي

بات امرا مأمولا ان تكون للعمارة وظيفة تؤديها ، هي احدى مقومات ماهيتها . غير ان مايتبع ذلك ، هو ان يقصد المبنى التعبير و الأشارة والدلالة على التزامه الوظيفي على مستوى الشكل ، حيث فضاء تجلي الماهية . وفي ذلك الامر منفذ الى وضوح المبنى والتمكن من قراءته وتعاطيه . اذ ليس يدلنا على المبنى اقل من تكشف شكله عما يوحي بوظيفته . وقد كان ( فيوليه لي دوك ) يرى بأن المعماري يجد ادواته للتعبير ، في العلاقات الممكنة بين الوظيفة والشكل . كما ان تعبيرية العمارة في قول ( جوزيف هونت ) ، هي في ان تعرض مظاهر الأبنية وظائفها في الغالب . وقد يبلغ ذلك الامر من الوضوح حد ان تبدو واجهات الابنية كما لو انها تصف مهماتها في كلمات . وفي غياب ذلك يخشى ( موكاروفسكي ) ان يبقى العمل الفني مبهما




.

أن نزعة التعبير عن الوظيفة في الشكل ، هي نية موجودة في مختلف الاشياء المصنوعة والمعدة للاستعمال . حيث يرغب الانسان في تقديم اشياء تعلن عن نفسها دون غموض . لأن نفعية هذه الاشياء تستلزم أن تعبر عن قدرتها على تقديم تلك المنفعة ، كي تدخل في الشيوع والاستعمال . وان جزءاً كبيراً من قدرة الأشياء على الافهام ، ينجزه شكلها وهو يعبر عن كيفية أستعمالها . فتكون كل تفاصيل الشكل نافعة ، وموجودة فيه لأنها نافعة . وهو اسلوب في تشكيل الاشياء تعلمه المصممون الصناعيون ، واعتمدوه في شرح طبيعة الشيء المصنوع من خلال مظهره



.

وتُكلّف العمارة بما يوافق كثيراً ما تكلف به الاشياء المصنوعة الاخرى ، حيث يجعل ( ادولف لوس ) من مهمة المعماري ، أن يوقظ في داخلنا مشاعر وامزجة دقيقة التفاصيل ، فيبدو البيت موحياً بأنه قابل للايواء ، وتأذن بناية المصرف بأيداع اموالنا في امان مع اخرين شرفاء ، ويعرض بذلك المبنى وظيفته ويعبر عنها دون أن يقول كذبة ، فيشبه بذلك الشيء ما هو عليه ويكون ما يبدو انه يشبهه .

وعلى الرغم من أن فكرة ما يؤسس الوظيفة هي موضع اعادة نظر مستمرة ، فأن امراً ثابتاً في تلك المسألة ، وهو أن المبنى يجب أن لا يكون ولا يبدو غير ذاته . فالمدرسة مدرسة والمصنع مصنع . وعلى المبنى أن يعبر عن ذلك ، ليس في مظهره الخارجي وحده ، بل في الداخل وفي مخطط المبنى وتنظيمه أيضا . حيث أن الشكل فضاء حضور الماهية كما اشرنا بدءا ، ولا يمكن للماهية أن تحضر في الشكل ما لم يكن الشكل قادراً على أن يؤدي وظائفه ، بأن يكشف عن قدرة الاشياء على اداء وظائفها . وفي ذلك تأكيد لعلاقة الوظيفة بالماهية . فالشيء يبني ماهيته من خلال حضور وظيفته في شكله ، ويكون اسهام الوظيفة في الماهية متكشفاً في ما يتجسد منها في الشكل ، ومن هنا التزام الشكل بالتعبير عن الوظيفة وعن دورها في الماهية .

غير أن في العمارة كما في الاشياء المصنوعة الاخرى ، فضلاً عن مساحة ما هو حتمي مما تسببه متطلبات الوظيفة أو الانشاء أو الانتماء ، فأن ثمة فرصة اضافية للاختيار في بناء الشكل ، يمكن أن توظف من اجل فعل أو قول آخر . وفي احيان ، فأن وجود هذه المساحة هو الذي يدعونا لأن نستثمرها في قول شيء ما اخر ، لاننا لا نترك في العادة مكاناً فارغاً دونما فعل سيطرة أو تدخل انساني فيه ، من خلال مكوّن وظيفي أو شكلي أو تعبيري معين . كما في علبة الكبريت ، اذ يتدخل توظيفها في اقتراح حجمها وشكلها واستثمار فراغها وسطوحها ، وهي افعال لازمة نتاجاً للوظيفة . غير انها تنجلي عن سطوح خارجية اخرى فارغة من فعل وظيفي لازم ، وتقدم فرصة لقول شيء ما من خلالها لقصد تعبيري او دعائي او سواه . والمهم في ما نقوله ، أن يمتلك ذلك القول قيمة ومعقولية في وجوده ، بالنسبة إلى العلبة ، ودوراً واهمية في كيف يمكن أن تبدو . اذ قد لا يكفي أن نعتمد في انجاز كيف يبدو الشيء ، على مجرد ما يخبر عن كيفية عمله ، وقد يتطلب الامر أن يكون ما نقوله في فضاء الاختيار ، ذا علاقة تعبيرية وليست خبرية بكيفية عمل الشيء ، ويتوفر بذلك للتعبير مدخل للمشاركة في بناء ماهية الشيء .

وبسبب عدم وجود ما هو ثابت لما هو مطلوب من العمارة على المستوى الوظيفي والتعبيري ، نتيجة احتكام ذلك إلى نسبية القيم وتحولات الايديولوجيا والطراز والذوق ، فأن المبنى الذي يمكن أن يعمل مثل آلة ، لا يبدو على الدوام كما لو انه آلة ، حيث تكون تعبيرية الشكل مفارقة في احيان لكيفية عمل المبنى ، بسبب غموض متعمد في العمارة ، يختلف عن وضوح مقصود في الآلة ، وهي تكشف عن اسرارها وعن انضوائها على معرفة تقنية وعلمية ، يكون الانسان في حاجة إلى ادراكها رصيداً معرفياً لأجل التعامل مع تلك الالة . اما عن المعرفة في العمارة ، فهي ليست معدة على الدوام للكشف والتعليم ، بل تعد في احيان كثيرة للتأويل . حيث ينضوي الشكل في مثل تلك الحالات على الغموض ، الذي لا يكون في العادة غموض ايهام ، بل غموض ايحاء ، يسكن المبنى من الخارج ، في حين يكشف المبنى في الداخل الكثير من اسراره ، في بنية المخطط وتنظيم الفضاءات ، التزاماً بمسؤوليته في انتاج ظروف ملائمة للوظيفة ، تتدخل في الكثير من ملامح المبنى في الداخل .

ويمكن ملاحظة أن العلاقة التي اوضحنا بين الوظيفة والشكل ، والتي كشفت عن دور الوظيفة في بناء الشكل ، وعن وظيفة الشكل في التعبير عن الوظيفة ، هي علاقة تؤدي الى نفاذ الوظيفة الى الحقل الجمالي كما يرى ( ارنهيم ) ، من خلال ترجمتها بوساطة انماط التعبير الشكلي ، حيث يكمن الجمال الحقيقي في العمارة ، على حد قول ( سكروتن ) في تكييف الشكل بالنسبة إلى الوظيفة . ولا شك فأن تدخل الوظيفة من خلال الشكل وبوساطته في بلوغ الجمال في العمارة ، هو جهد آخر في انجاز الماهية ، وقد تبين لنا في مقال سابق أن المبنى يكون جميلاً بقدر ما يكون ما هو.

وبين وضوح الشكل في التعبير عن الوظيفة ، أو غموضه في الايحاء بها ، نجد اننا قد نرى الشيء ونسأل عمّا هو ، دون أن تكفينا رؤية شكله في التعريف بماهيته . وقد نعرف استعمال الشيء ووظيفته ، ونسأل أيضاً كيف يكون الشيء الذي نراه هو الشيء الذي ندّعيه ونعتقده ، عندما لا نجد علاقة واضحة بين الشكل والوظيفة ، فالشكل لا يقدم دلالة على ماهية الشيء طالما هو غامض ، لا يكشف عن استعماله ، وحتى لو علمنا بوظيفة الشيء فأننا لا نقتنع بماهيته ما لم تكن ثمة علاقة تجلّ واضح أو ايحاء مقنع بالوظيفة في الشكل . عندها ، وعندما يكشف الشكل عن الوظيفة ويعبر عنها ، أو يوحي بها في خفاء ، عندها فقط يمكن للشكل أن يعبر عن ماهية الشيء ويقدم دلالة عليه .

وعلى الرغم من ذلك ، فأن التجربة الواقعية في العمارة ، تبين لنا بأن الوظيفة من التعقيد والتحول ، ما يصعب أن تتشكل هيئة المبنى في حدود الاتصال المباشر بها ، والتزام التعبير عنها وحسب ، بل أن مقومات اخرى في الماهية ، تجد فرصتها للحضور والتجلي واثراء الرسالة التعبيرية للمبنى ، كما البعد الانشائي والبعد الجمالي وابعاد الانتماء ، على مدى التحول الذي تتصف به ، بما يأتي على الشكل بالمتوقع من العطايا ، وغير المتوقع مما يأذن به الأبداع



.

*أكاديمي عراقي




العودة للصفحة الرئيسة - العـــدد السادس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق